أحمد بن علي الرفاعي الكبير
89
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
واعلم أن مثل القلب كالقصر ، والمعرفة فيه كالسلطان ، والعقل أمير على الأركان ، له تبع وأعوان ، واللسان كالترجمان ، والسر من خزائن الرحمن ، ولا بد لكل واحد منها من الاستقامة في مواضعه ، ودوران كلها على استقامة السر مع الحق . فإذا استقام السر استقامت المعرفة ، فيستقيم العقل . وإذا استقام العقل استقام القلب . وإذا استقام القلب ، استقامت النفس . وإذا استقامت النفس . استقامت الأحوال . فالسر منوّر بنور الجمال والجلال . والعقل منوّر بنور اليقظة والاعتبار . والقلب منوّر بنور الخشية والأفكار . والنفس منوّرة بنور الرياضة والانزجار . فالسر بحر من بحور العطايا ، وأمواج الهمّة فيه لا يحصى عددها ، ولا ينقطع مددها . وإن استقامة السر مع الحق ، هي الدوام على بساط المشاهدة ، مع فقد رؤية الاستقامة . واعلم أن صراط الاستقامة : السرادق ، من صراط الآخرة ؛ والمرور على جسرها ، أصعب من المرور على جسر الآخرة ؛ وإن عالم الأسرار غيور ، لا يحب أن يكون في قلب العبد حب أو ذكر لغيره . لا يريدون من اللّه إلا اللّه : قال اللّه تعالى في بعض كتبه : إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي ، جعلت لذته وهمته في محبتي ، ورفعت الحجاب فيما بيني وبينه . ودخل رجل على سري السقطي رضي اللّه عنه ، فقال له : أي شيء أقرب إلى اللّه ، ليتقرب به العبد إلى اللّه ؟ فبكى السري ، فقال : أمثلك يسأل عن هذا ؟ إن أفضل ما يتقرّب به العبد إلى اللّه سبحانه ، أن يطّلع اللّه على قلبك ، وأنت لا تريد من الدارين غيره ! .